ابن هشام الأنصاري
265
شرح قطر الندى وبل الصدى
والرابع : التأخير عن الحال ، كقول الشاعر : « [ 105 ] » - لميّة موحشا طلل * يلوح كأنّه خلل ف « موحشا » حال من « طلل » وهو نكرة لتأخيره عن الحال . * * *
--> ( [ 105 ] ) - هذا البيت من كلام كثير بن عبد الرحمن ، المعروف بكثير عزة وقد أنشده سيبويه ( ج 1 ص 276 ) وأنشد المؤلف صدره في أوضحه ( رقم 269 ) وأنشده كله في شذور الذهب مرتين ( رقم 7 ) وأنشده الأشموني في باب الحال ( رقم 472 ) . اللغة : « طلل » : هو ما بقي شاخصا - أي بارزا مرتفعا عن الأرض - من آثار الديار « موحشا » اسم فاعل فعله « أوحش المنزل » إذا خلا من أهله ، أو صار مسكنا للوحوش « خلل » - بكسر الخاء وفتح اللام - جمع خلة ، وهي بطانة تغشى بها أجفان السيوف . الإعراب : « لمية » اللام حرف جر ، مية : مجرور باللام ، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم « موحشا » حال تقدم على صاحبه ، منصوب بالفتحة الظاهرة « طلل » مبتدأ مؤخر ، وهو صاحب الحال ، وستعرف شيئا في هذا الإعراب « يلوح » فعل مضارع ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى طلل ، والجملة من يلوح وفاعله في محل رفع صفة لطلل « كأنه » كأن : حرف تشبيه ونصب ، وضمير الطلل اسمه « خلل » خبر كأن ، والجملة من كأن واسمه وخبره في محل نصب من الضمير المستتر في يلوح . الشاهد فيه : قوله « موحشا طلل » فإن الشارح استشهد به على مجيء الحال من النكرة والمسوغ له كون النكرة متأخرة عن الحال كما ترى ؛ ولنا فيه مقال طويل ذكرنا بعضه في شرحنا على « أوضح المسالك » عند الكلام على هذا الشاهد ، ونقول لك هنا : إن هذه النكرة قد وصفت بجملة « يلوح » وفاعله ؛ فالمسوغ ههنا كالمسوغ في نحو قوله تعالى من الآية 10 من سورة فصلت : فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً وهو التخصيص ، ثم إن هذه النكرة مبتدأ ، والجمهور على أن الحال لا يأتي منه ، وأهون من هذا البيت في الاستشهاد به قول الشاعر ، وهو من شواهد سيبويه أيضا : وبالجسم منّي بيّنا لو علمته * شحوب ، وإن تستشهدي العين تشهد فبيّنا : حال من قوله شحوب ، وهو نكرة ، والذي سوغ مجيء الحال من النكرة تقدمه عليها ، ويرد على هذا الشاهد الاعتراض الثاني الذي ذكرناه أخيرا على بيت الشاهد ، والظاهر أن العلماء إنما ذكروا هذين البيتين على مذهب سيبويه الذي يجيز مجيء الحال من المبتدأ . ومن أجل ما ذكرنا من هذه الاعتراضات ذهب جماعة من العلماء إلى أن « موحشا » حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور - وهو قوله « لمية » العائد على طلل ، وكذلك يكون قول الآخر « بينا » حالا من الضمير المستتر في الجار والمجرور الذي هو قوله « بالجسم » العائد على الشحوب .